فخر الدين الرازي
49
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
المسألة الرابعة : اختلفوا في أن مكة هل كانت آمنة محرمة قبل دعوة إبراهيم عليه السلام أو إنما صارت كذلك بدعوته فقال قائلون : إنها كانت كذلك أبداً لقوله عليه السلام : « إن اللّه حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض » وأيضاً قال إبراهيم : رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ [ إبراهيم : 37 ] وهذا يقتضي أنها كانت محرمة قبل ذلك ، ثم إن إبراهيم عليه السلام أكده بهذا الدعاء ، وقال آخرون : إنها إنما صارت حرماً آمناً بدعاء إبراهيم عليه السلام وقبله كانت لسائر البلاد والدليل عليه قوله عليه السلام : « اللهم إني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة » . والقول الثالث : إنها كانت حراماً قبل الدعوة بوجه غير الوجه الذي صارت به حراماً بعد الدعوة . فالأول : يمنع اللّه تعالى من الاصطلام وبما جعل في النفوس من التعظيم . والثاني : بالأمر على ألسنة الرسل . المسألة الخامسة : إنما قال في هذه السورة : بَلَداً آمِناً على التنكير وقال في السورة إبراهيم : هَذَا الْبَلَدَ آمِناً على التعريف لوجهين . الأول : أن الدعوة الأولى وقعت ولم يكن المكان قد جعل بلداً ، كأنه قال : اجعل هذا الوادي بلداً آمناً لأنه تعالى حكى عنه أنه قال : رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ [ إبراهيم : 37 ] فقال : هاهنا اجعل هذا الوادي بلداً آمناً ، والدعوة الثانية وقعت وقد جعل بلداً ، فكأنه قال : اجعل هذا المكان الذي صيرته بلداً ذا أمن وسلامة ، كقولك : جعلت هذا الرجل آمناً . الثاني : أن تكون الدعوتان وقعتا بعد ما صار المكان بلداً ، فقوله : اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً تقديره : اجعل هذا البلد بلداً آمناً ، كقولك : كان اليوم يوماً حاراً ، وهذا إنما تذكره للمبالغة في وصفه بالحرارة ، لأن التنكير يدل على المبالغة ، فقوله : رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً معناه : اجعله من البلدان الكاملة في الأمن ، وأما قوله : رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً فليس فيه إلا طلب الأمن لا طلب المبالغة ، وأما قوله : وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ فالمعنى أنه عليه السلام سأل أن يدر على ساكني مكة أقواتهم ، فاستجاب اللّه تعالى له فصارت مكة يجبى إليها ثمرات كل شيء ، أما قوله : مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ فهو يدل من قوله : أَهْلَهُ يعني وارزق المؤمنين من أهله خاصة ، وهو كقوله : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [ آل عمران : 97 ] واعلم أنه تعالى لما أعلمه أن منهم قوماً كفاراً بقوله : لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [ البقرة : 124 ] لا جرم خصص دعاءه بالمؤمنين دون الكافرين وسبب هذا التخصيص النص والقياس ، أما النص فقوله تعالى : فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ [ المائدة : 68 ] وأما القياس فمن وجهين : الوجه الأول : أنه لما سأل اللّه تعالى أن يجعل الإمامة في ذريته ، قال اللّه تعالى : لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [ البقرة : 124 ] فصار ذلك تأديباً في المسألة ، فلما ميز اللّه تعالى المؤمنين عن الكافرين في باب الإمامة ، لا جرم خصص المؤمنين بهذا الدعاء دون الكافرين ثم أن اللّه تعالى أعلمه بقوله : فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا الفرق بين النبوة ورزق الدنيا ، لأن منصب النبوة والإمامة لا يليق بالفاسقين ، لأنه لا بد في الإمامة والنبوة من قوة العزم والصبر على ضروب المحنة حتى يؤدي عن اللّه أمره ونهيه ولا تأخذه في الدين لومة لائم وسطوة جبار ، أما الرزق فلا يقبح إيصاله إلى المطيع والكافر والصادق والمنافق ، فمن آمن فالجنة مسكنه ومثواه ، ومن كفر فالنار مستقره ومأواه . الوجه الثاني : يحتمل أن إبراهيم عليه السلام قوي في ظنه أنه إن دعا للكل كثر في البلد الكفار فيكون في غلبتهم وكثرتهم مفسدة ومضرة من ذهاب الناس إلى الحج ، فخص المؤمنين بالدعاء لهذا السبب ،